...
تأدب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع الله
وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يرقى المنبر فيأتيه رجل
يشكو إليه جدب الديار وقلة الأمطار، ويقول: يا نبي الله!
ادع الله أن يغيثنا، فيقول عليه الصلاة والسلام:
(اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فتكون سحابة، ثم يكون غيث)،
بفضل من الله جل وعلا، واستجابة لدعاء نبيه صلوات الله
وسلامه عليه، يمكث الناس على هذا أسبوعاً فتنجم عن تلكم الأمطار
سيول عديدة نجم عنها انقطاع السبل، والمشقة في وصول الناس بعضهم لبعض،
فيأتي رجل من نفس الباب فيقول: ادع الله أن يمسكها عنا،
ونبينا صلى الله عليه وسلم يعلم أن الغيث رحمة، فلم يقل:
اللهم أمسكها عنا، بل قال متأدباً مع ربه: (اللهم حوالينا ولا
علينا، اللهم على الآكام ومنابت الشجر وبطون الأودية)،
وأخذ يذكر صلى الله عليه وسلم من من الناس ينتفع بهذا الغيث
لو نزل عليهم ويشير بيده، قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: فما أشار
إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها صلوات الله وسلامه عليه.
الشاهد من هذا الخبر النبوي الصحيح: هو قضية تأدب نبينا صلى الله
عليه وسلم مع ربه في خطابه، فقوله عليه السلام: (اللهم حوالينا ولا علينا)،
لا يمكن أو يقارن بقوله: اللهم أمسكها عنا؛ لأن الغيث رحمة، والنبي عليه الصلاة
والسلام أكمل أدباً من أن يطلب من ربه جل وعلا أن يمسك عنه رحمته.
تأدب سيدنا سليمان عليه السلام مع الله عز وجل
كذلك ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم سليمان عليه الصلاة والسلام
، فسليمان عبد ملك يوحى إليه، وابن نبي، ونبي كذلك، ومع ذلك يتوسل إلى ربه
قائلاً: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
[النمل:19]، فانظر إلى ذلك التوسل: وهو أن يشمله الله جل وعلا برحمته، وأن
يدرجه في عباده الصالحين، مع أنه نبي، وابن نبي وملك، وابن ملك، صلوات الله
وسلامه عليه.
أدب الخضر عليه السلام مع الله تعالى
فهذا الخضر عليه السلام -وإن كان هناك خلاف في نبوته، إلا أنه
عبد صالح قطعاً- فهذا العبد الصالح يقول في حق السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]،
ولما ذكر الخير نسبه إلى الرب تبارك وتعالى:
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82]،
وثمة أمور من الخير أسندها الخضر إلى الله، وما كان في ظاهره النقص أو العيب
أسنده إلى نفسه تأدباً مع ربه تبارك وتعالى، والله جل وعلا خالق الأشياء كلها.
إليك وإلا لا تُشدُّ الركائبُ ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ
وفيك وإلا فالغرام مضيّعٌ وعنك وإلا فالمحدِّثُ كاذبُ